الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
51
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا تكرير ثالث لفعل قُلْ من قوله : قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [ الملك : 23 ] الآية . وجاء هذا الأمر بقول يقوله لهم بمناسبة قوله : أَوْ رَحِمَنا [ الملك : 28 ] فإنه بعد أن سوّى بين فرض إهلاك المسلمين وإحيائهم في أن أيّ الحالين فرض لا يجيرهم معه أحد من العذاب ، أعقبه بأن المسلمين آمنوا بالرحمن ، فهم مظنة أن تتعلق بهم هذه الصفة فيرحمهم اللّه في الدنيا والآخرة ، فيعلم المشركون علم اليقين أيّ الفريقين في ضلال حين يرون أثر الرحمة على المسلمين وانتفاءه عن المشركين في الدنيا وخاصة في الآخرة . وضمير هُوَ عائد إلى اللّه تعالى الواقع في الجملة قبله ، أي اللّه هو الذي وصفه الرَّحْمنُ فهو يرحمنا ، وأنكم أنكرتم هذا الاسم فأنتم أحرياء بأن تحرموا آثار رحمته . ونحن توكلنا عليه دون غيره وأنتم غرّكم عزّكم وجعلتم الأصنام معتمدكم ووكلاءكم . وبهذه التوطئة يقع الإيماء إلى الجانب المهتدي والجانب الضالّ من قوله : فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ لأنه يظهر بداء تأمل أن الذين في ضلال مبين هم الذين جحدوا وصف الرَّحْمنُ وتوكلوا على الأوثان . و مَنْ موصولة ، وما صدق مَنْ فريق مبهم متردد بين فريقين تضمنهما قوله : إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ [ الملك : 28 ] وقوله : فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ [ الملك : 28 ] ، فأحد الفريقين فريق النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه ، والآخر فريق الكافرين ، أي فستعلمون اتضاح الفريق الذي هو في ضلال مبين . وتقديم معمول تَوَكَّلْنا عليه لإفادة الاختصاص ، أي توكلنا عليه دون غيره تعريضا بمخالفة حال المشركين إذ توكلوا على أصنامهم وأشركوها في التوكل مع اللّه ، أو نسوا التوكل على اللّه باشتغال فكرتهم بالتوجه إلى الأصنام . وإنما لم يقدم معمول آمَنَّا عليه فلم يقل : به آمنا لمجرد الاهتمام إلى الإخبار عن إيمانهم باللّه لوقوعه عقب وصف الآخرين بالكفر في قوله : فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الملك : 28 ] فإن هذا جواب آخر عن تمنّيهم له الهلاك سلك به طريق التبكيت ، أي هو الرحمن يجيرنا من سوء ترومونه لنا لأننا آمنا به ولم نكفر به كما كفرتم ، فلم يكن المقصود في إيراده نفي الإشراك وإثبات التوحيد ، إذ الكلام في الإهلاك والإنجاء المعبّر عنه ب رَحِمَنا [ الملك : 28 ] فجيء بجملة آمَنَّا على أصل مجرد معناها دون قصد الاختصاص ، بخلاف قوله : وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا لأن التوكل يقتضي منجيا وناصرا ،